آداب الإحسان
آداب الإحسان
آداب الإحسان

رأيت البنت البارحة، قد أخذت شيئاً من الفاصوليا، وشيئاً من الرز، وضعتهما في طبق كبير من النحاس، ووضعت عليهما قليلاً من الباذنجان، ورمت في الطبق خيارة وحبات من المشمش، وذهبت به، فقلت: لمن هذا يا بنت؟ قالت للحارس، أمرتني ستي أن أدفعه إليه.
قلت: ارجعي يا قليلة الذوق، هاتي صينية، وأربعة صحون صغار، وملعقة وسكيناً وكأس ماء، وضعي كل جنس من الطعام في صحن نظيف، فوضعت ذلك كله في الصينية، مع الملعقة والسكين والكأس.
وقلت: الآن اذهبي به إليه....

فذهبت وهي ساخطة تبربر وتقول: كلاماً لا يفهم.
فقلت: ويحك هل خسرت شيئاً؟ إن هذا الترتيب أفضل من الطعام، لأن الطعام صدقة بالمال، وهذه صدقة بالعاطفة، وذلك يملأ البطن، وهذا يملأ القلب، وذلك يذلّ الحارس، ويشعره أنه شحاد منَّ عليه ببقايا الطعام، وهذا يشعره أنه صديق عزيز، أو ضيف كريم.
وتلك يا أيها القراء، الصدقة بالمادة، وهي هذه الصدقة بالروح، وهذه أعظم عند الله، وأكبر عند الفقير، لأن الفرنك تعطيه السائل، وأنت مبتسم له، أندى على قلبه من نصف الليرة تدفعها إليه، متنكراً له متكبراً عليه.
والكلمة الحلوة تباسط فيها الخادم، أبرد على كبده من العطية الجزيلة، مع النظرة القاسية، وأن تستقبل يا أيها الموظف الكبير، رفيقك في المدرسة، مرحباً مؤنساً طارحاً الكلفة مظهراً الألفة، ثم تقضي له بعض حاجته، أبرّ به وأسرّ إلى نفسه من أن تقضي له حاجته كلها، وأنت متجهم له، مترفع عنه، تعامله كما يعامل الموظف الكبير المراجع لا يعرفه.
فيا أيها المحسنون، أعطوا من نفوسكم، كما تعطون من أموالكم، وأشعروا الفقراء أنكم إخوانهم، وأنكم مثلهم، وانزلوا إلى مكانتهم، لتدفعوا إليهم الصدقة يداً بيد، لا تلقوها عليهم من فوق، فإن صرة الذهب إن وضعت في يد الفقير أغنته، وإن ألقيت على رأسه من الطبقة السادسة قتلته!
ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ : علي الطنطاوي